سيد محمد طنطاوي
10
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سورة الحجر من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي * ( الر ) * . وقد بينا - بشيء من التفصيل - عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف . . . آراء العلماء في هذه الحروف التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم . وقلنا ما خلاصته : من العلماء من يرى أن المعنى المقصود منها غير معروف لأنها من المتشابه الذي استأثر اللَّه بعلمه . . ومنهم من يرى أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه ، بل هي أسماء للسور التي افتتحت بها . . . أو هي حروف مقطعة بعضها من أسماء اللَّه ، وبعضها من صفاته . . . ثم قلنا : ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى اللَّه به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل . وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وهدايات قد تكون سببا في استجابتهم للحق ، كما استجاب صالحو الجن الذين حكى اللَّه - تعالى - عنهم أنهم عندما استمعوا إلى القرآن قالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً . . . واسم الإشارة * ( تِلْكَ ) * يعود إلى الآيات التي تضمنتها هذه السورة ، أو إلى جميع الآيات القرآنية التي نزلت قبل ذلك . والمراد بالكتاب : القرآن الكريم ، ولا يقدح في هذا ، ذكر لفظ القرآن بعده ، لأنه - سبحانه - جمع له بين الاسمين تفخيما لشأنه ، وتعظيما لقدره . و * ( مُبِينٍ ) * اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان ، مبالغة في الوضوح والظهور .